بقلم : لارا المحمد
في البيئات الهشّة، لا ينهار الاقتصاد دفعة واحدة، بل يتآكل ببطء. تختفي الوظائف، يتقلّص الدخل، وتفقد المؤسسات قدرتها على الحماية. في السياق السوري، حيث تداخلت الحرب مع النزوح والفقر وتفكك البُنى العامة، لم يكن الخروج من السوق الرسمي خيارًا أيديولوجيًا، بل ضرورة يومية. وفي قلب هذه الضرورة، طوّرت النساء السوريات أنماطًا اقتصادية بديلة، غير مرئية في الإحصاءات، لكنها حاسمة في بقاء الأفراد والمجتمعات.
هذه الأنماط لا تشبه المشاريع الصغيرة كما تُعرّف في الخطاب التنموي، ولا تدخل بسهولة في تصنيفات "العمل" أو "الإنتاج". إنها اقتصاديات صمود نشأت خارج الأطر الرسمية، واعتمدت على الشبكات النسوية، وتبادل الخدمات، والعمل المنزلي المدفوع، والقروض الاجتماعية غير المكتوبة. اقتصاديات لا تُقاس بالنمو بل بالاستمرارية.
حين يفشل السوق، تبدأ الشبكات
مع تقلّص فرص العمل الرسمي، وجدت كثير من النساء أنفسهن أمام واقع مزدوج: مسؤوليات متزايدة، وموارد أقل. في هذا الفراغ، لم تنتظر النساء حلولاً مؤسساتية نادراً ما تأتي، بل لجأن إلى ما هو متاح:
§ العلاقات.
§ المهارات اليومية.
§ الثقة المتبادلة.
تشكلت شبكات غير رسمية داخل الأحياء والمجتمعات الصغيرة: ( امرأة تطهو لبيوت أخرى، ثانية تعتني بالأطفال، ثالثة تخيط أو تنظّف أو تدرّس). هذه الأعمال، التي تُؤدّى غالباً داخل البيوت أو ضمن محيط محدود، لا تظهر في سجلات العمل، لكنها تشكّل مصدر دخل أساسي لكثير من الأسر. الأهم من ذلك، أنها أعادت تعريف العمل نفسه بوصفه نشاطاً مرناً، قابلاً للتفاوض، ومتكيّفاً مع واقع غير مستقر.
الاقتصاد غير المرئي كبنية لا كفوضى
ما يُسمّى بالاقتصاد غير المرئي لا يقوم على العشوائية كما قد يُفترض. على العكس، تحكمه قواعد غير مكتوبة، أساسها السمعة، والثقة، والمعرفة المتبادلة. النساء يعرفن من يمكن الاعتماد عليها، ومن تفي بالتزاماتها، ومن تحتاج دعماً إضافياً. هذه المعرفة الاجتماعية تحلّ محل العقود، وتوفّر شكلاً من الأمان النسبي في بيئة تفتقر لأيّ ضمانات قانونية.
في كثير من الحالات، لا يكون المقابل مادياً فقط. قد تُقابل خدمة بخدمة، أو يُؤجَّل الدفع، أو يُخفَّف عند الحاجة. هذا المنطق لا ينسجم مع قواعد السوق القائمة على الربح، لكنه ينسجم مع منطق الصمود الجماعي. هنا، الاقتصاد ليس ساحة تنافس، بل شبكة علاقات تهدف إلى توزيع المخاطر بدل تركها على كاهل الأفراد.
العمل المنزلي المدفوع وكسر الصمت
أحد أبرز ملامح هذه الاقتصاديات هو تحوّل العمل المنزلي من نشاط غير مدفوع وغير معترف به إلى مصدر دخل، وإن بقي خارج الإطار الرسمي: ( الطبخ، والتنظيف، ورعاية الأطفال أو كبار السن)، أصبحت أعمالاً تُتداول ضمن شبكات نسوية، وتُقدَّر بقيمتها العملية، لا الرمزية فقط.
هذا التحوّل لا يعني بالضرورة تحرّراً من الأدوار التقليدية، لكنه يكسر صمتاً طويلاً حول القيمة الاقتصادية للرعاية. حين تتقاضى امرأة أجراً مهما كان متواضعاً، مقابل عمل منزلي، فهي تعيد تعريف هذا العمل بوصفه جهداً منتجاً. ومع تكرار هذه الممارسة، تتغيّر النظرة الاجتماعية، ببطء، إلى ما يُعتبر "عملاً " وما يُستبعد من هذا التعريف.
القروض الاجتماعية: المال كعلاقة
في غياب الوصول إلى البنوك أو أدوات التمويل الرسمية، طوّرت النساء أشكالًا بديلة من الاقتراض، تُعرف في كثير من السياقات بـ”الجمعيات”. تقوم هذه الآليات على مساهمات شهرية صغيرة، تُمنح بالتناوب، أو تُستخدم عند الحاجة الطارئة. لا فوائد، ولا أوراق، بل التزام أخلاقي متبادل.
هذه القروض لا توفّر رأس مال كبير لكنها توفّر شيئاً أكثر أهمية: القدرة على التدخل في لحظة الأزمة. امرأة تحتاج مبلغاً للعلاج، أو لبدء نشاط بسيط، أو لتغطية نفقات طارئة، تجد في هذه الشبكات مساحة للحركة بدل الوقوع في العجز الكامل. المال هنا ليس سلعة ولا أداة سيطرة، بل علاقة تُدار بحذر لتجنّب الإذلال أو الاستغلال.
اقتصاديات لا تُرى ولا تُحتسب
رغم مركزيتها في حياة الناس، تبقى هذه الاقتصاديات خارج الاهتمام الرسمي. لا تُدرج في الخطط، ولا تُقاس في المؤشرات، وغالباً ما يُنظر إليها بوصفها حلولاً مؤقتة، لا تستحق الاستثمار أو البناء عليها. هذا التجاهل لا يعود فقط إلى طابعها غير الرسمي، بل إلى كونها تقودها نساء، وفي فضاءات خاصة، وبمنطق يختلف عن منطق السوق السائد.
لكن تجاهل هذه الممارسات يعني تجاهل أحد أعمدة الصمود المجتمعي. فهي لا توفّر الدخل فحسب، بل تعزّز التضامن، وتخلق مساحات للثقة، وتحدّ من التفكك الاجتماعي. إنها تشتغل في المسافة الحساسة بين الحاجة والكرامة، وتمنح النساء دوراً اقتصادياً فعلياً، حتى وإن بقي غير معترف به.
بين الصمود والاستنزاف
مع ذلك، لا يمكن رومنة هذه التجارب. اقتصاديات الصمود تقوم على جهد مضاعف، وغالباً ما تُدار على حساب صحة النساء ووقتهن وأمانهن. غياب الحماية القانونية، وعدم الاستقرار، والضغط المستمر لتأمين الحد الأدنى من العيش، كلها عوامل تجعل هذا الاقتصاد هشّاً، وقابلاً للانهيار مع أي صدمة إضافية.
الاعتراف بقيمة هذه الاقتصاديات لا يعني الاحتفاء بها بوصفها بديلاً كافياً، بل التعامل معها بوصفها واقعاً يجب فهمه ودعمه، دون تحميل النساء عبء التعافي وحدهن.
ما الذي يعنيه ذلك للتنمية؟
إذا كانت التنمية تهدف إلى تعزيز قدرة المجتمعات على الاستمرار بكرامة، فلا يمكن تجاهل ما تبنيه النساء فعلياً على الأرض. الإصغاء إلى هذه الاقتصاديات، وفهم منطقها، قد يفتح الباب أمام مقاربات تنموية أكثر واقعية، لا تبدأ من النماذج الجاهزة، بل من الممارسات القائمة.
اقتصاديات الصمود النسوي ليست هامشاً على الاقتصاد، بل جزء من بنيته الفعلية في السياق السوري. والاعتراف بها ليس مسألة إنصاف فقط، بل شرط أساسي لفهم كيف يعيش الناس، وكيف يستمرون حين يفشل كلّ شيء آخر.
هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولاتعبر عن رأي وحدة تمكين المجتمع المدني