ما وراء الاستبيان: "الذكاء الميداني" كضرورة في بيئات النزاع

تم النشر في: Apr 28, 2026

ما وراء الاستبيان: "الذكاء الميداني" كضرورة في بيئات النزاع

بقلم: نوار الحاج — باحث ميداني ومستشار مستقل

 

صورة واحدة

وصلني الملف كما تصل الملفات عادةً، بلا مقدمات كثيرة. منظمة بمجلس إدارة من أطباء ومهندسين، تعمل في مناطق مختلفة، تتحدث بلغة أعلى المعايير المهنية. الورق كان نظيفاً. السيرة الذاتية للقيادة كانت لامعة. كل شيء يوحي بأن هذه المنظمة تستحق الثقة والتمويل.

 

بدأت بما أبدأ به دائماً: البحث الرقمي الصامت. لا استبيانات، لا مقابلات رسمية، لا نماذج معيارية. فقط عيون تتنقل في الفضاء الرقمي كما تتنقل في الشارع، تلاحظ ما لم يُقصد إظهاره.

 

في مكان ما، على صفحة شخصية، وجدت صورة. كانت تجمع صديقاً لرئيس مجلس الإدارة مع شخص يرتدي ملابس مدنية عادية. لو رآها أي محلل آخر، ربما تجاوزها. لكنني كنت أعرف هذا الوجه. كنت أعرف من هو خلف تلك الملابس المدنية.

 

كان ضابط استخبارات.

 

تلك الصورة لم تكن دليلاً قانونياً. لكنها فتحت باباً لم يكن ليُفتح في أي استبيان في العالم. ما جاء بعدها من تحقيق وتوسع في الملف كشف منظومة كاملة "ابتزاز، استغلال جنسي، فساد مالي، وتعامل مع ميليشيات محلية وأجهزة النظام". انتهى الأمر بإيقاف تمويل المنظمة. كل ذلك بدأ من صورة. 

نتحدث كثيراً في أوساط العمل الإنساني عن التثليث والمصادر المتعددة والتحقق من البيانات. هذه مفاهيم صحيحة، لكنها تبقى أدوات ميتة في يد من لا يمتلك ما أسميه الذكاء الميداني، وهو ليس مهارة تُكتسب في ورشة عمل ولا تقنية تُتعلم من دليل إجراءات.

 

الذكاء الميداني هو تراكم. تراكم علاقات إنسانية حقيقية مع أبناء المجتمعات وناشطيها، الذين يعكسون لك الواقع لا لأنك تدفع لهم مقابلاً بل لأنهم يثقون بك. تراكم معرفة بالوجوه والأسماء والانتماءات في بيئة يتبدل فيها الولاء كما يتبدل الزي. تراكم قدرة على قراءة ما لا يُقال، في صورة، في صمت، في كلمة عابرة في محادثة لم تكن تبحث فيها عن شيء بعينه.

 

الباحث الذي يعتمد فقط على الاستبيانات يجمع ما يريد الناس إظهاره. الباحث الذي يمتلك الذكاء الميداني يرى ما لا يريد أحد إظهاره.

 

كان جزء أساسي من عملي يقوم على شبكة علاقات مع ناشطين من مناطق مختلفة، أشخاص من داخل المجتمعات التي كنت أدرسها، يعيشون يومياتها ويفهمون توازناتها. لم أكن أطرح عليهم أسئلة بحثية رسمية. كنت أتحدث معهم كما يتحدث الناس، وأستمع لما يقولونه وما لا يقولونه.

 

هذه الشبكة أعطتني دائماً معلومات مطابقة للواقع لسبب بسيط: لم يكونوا يجيبون على استبيان. كانوا يتحدثون مع شخص يعرفونه.

 

لكن الشبكة البشرية وحدها لا تكتمل الصورة بها. تكتمل حين تُضاف إليها قراءة رقمية دقيقة، ليس تحليل بيانات ضخمة ولا خوارزميات ذكاء اصطناعي، بل شيء أبسط وأعمق، "معرفة ماذا تبحث عنه، وأين، وكيف تقرأ ما تجده". صورة على صفحة شخصية. اسم يظهر في السياق الخطأ. صلة لا ينبغي أن تكون موجودة. هذه هي التفاصيل التي تغيّر كل شيء، ولا تصبح مرئية إلا لمن أمضى وقتاً كافياً في فهم التضاريس.

 

الاستبيان أداة شريفة في سياقها الصحيح. لكنه يفترض أن المستجيب في وضع يسمح له بالإجابة الحرة والصادقة، وهذا افتراض يتهاوى في كثير من بيئات النزاع. في المناطق التي عملت فيها، كان الناس يعيشون تحت أنظمة مراقبة وضغط حقيقية. السؤال المباشر لم يكن يجلب الإجابة الحقيقية، كان يجلب الإجابة الآمنة.

 

هذا لا يعني أن الغاية تبرر الوسيلة دائماً. لكنه يعني أن ثمة بيئات لا تُقرأ إلا بهذه الطريقة، وأن البديل ليس بيانات أكثر أخلاقية بل بيانات أكثر زيفاً أو لا بيانات أصلاً. وكلاهما يضر بالمجتمعات التي نعمل من أجلها.

 

الذكاء الميداني يمنحك قدرة. وكل قدرة تحمل مسؤولية مقابلة. المعلومة التي تجمعها بهذه الطريقة، إن لم تُستخدم بأمانة وبخدمة حقيقية للمجتمع الذي جاءت منه، تتحول من أداة حماية إلى أداة ضرر. الفرق بين الاستخبارات الإنسانية والاستغلال لا يُرسم بالأدوات المستخدمة، بل بالغاية التي تخدمها والأمانة في التعامل مع ما تعرفه.

 

قضية تلك المنظمة بقيت معي ليس بسبب ما كشفته عن الفساد، فالفساد ليس مفاجئاً في بيئات النزاع. بقيت معي بسبب ما كشفته عن حدود العناية الواجبة الرسمية. كل إجراء رسمي كان قد اتُّبع. كل وثيقة كانت في مكانها. المشكلة كانت غير مرئية لأي شخص لم يكن يقرأ ما بين السطور. والمجتمعات التي كان من المفترض أن تخدمها تلك المنظمة كانت ستدفع ثمن تلك اللارؤية.

 

ملاحظة هامة: ماتم ذكره في هذا المقال يتعلق بمنظمة واحدة فاسدة، لكنه ليس صورة أو صبغة لباقي المنظمات التي كان يبذل القائمون عليها والعاملون فيها أرواحهم في سبيل مساعدة الناس ودعمهم. 

 

هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها  ولاتعبر عن رأي وحدة تمكين المجتمع المدني

× Full-Screen Image