التعليم في سوريا: التربية بوصفها الفعل السياسي الأول
جورج طلاماس
في الحديث عن المرحلة الانتقالية في سوريا، غالبًا ما يذهب التفكير مباشرة إلى الدستور، والانتخابات، والعدالة الانتقالية، وبناء المؤسسات. وهذه كلها قضايا أساسية بلا شك، لكنها لا تكتمل من دون سؤال أعمق: أي إنسان نريد أن نبني؟ وأي مدرسة نريد أن تكون أساسًا لسوريا القادمة؟
التربية ليست مسألة تقنية أو إدارية فقط. إنها الفعل السياسي الأول في حياة الإنسان. ففي المدرسة يتعلم الطفل أول معنى للسلطة، وأول معنى للقانون، وأول معنى للعلاقة مع الآخر. يتعلم هل يحق له أن يسأل، أم عليه أن يصمت. هل الاختلاف مقبول، أم هو خطر. هل القاعدة تُفهم وتُناقش، أم تُفرض بالخوف. لذلك فإن المدرسة ليست خارج السياسة، بل هي أحد أعمق أماكن تشكيلها.
لا يوجد تعليم محايد. كل تعليم يحمل رؤية للإنسان والمجتمع. إما أن يكون تعليمًا للحرية والوعي والمسؤولية، أو تعليمًا مدجنًا بلون واحد، قائمًا على الطاعة والتلقين والخضوع. إما أن يفتح عقل الطفل على السؤال والنقد والمشاركة، أو يغلقه داخل أجوبة جاهزة وخوف دائم من الخطأ والاختلاف.
ومن هنا تأتي أهمية التعليم في المرحلة الانتقالية السورية. فالمجتمع الذي عانى من الاستبداد والعنف والانقسام لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء المدارس كجدران ومقاعد، بل يحتاج إلى إعادة بناء معنى المدرسة نفسها. لا يكفي أن يعود الأطفال إلى الصفوف، بل يجب أن يعودوا إلى مدرسة مختلفة: مدرسة تحترم عقولهم، وتحمي كرامتهم، وتعلمهم كيف يفكرون لا ماذا يرددون فقط.
الديمقراطية لا تبدأ يوم الانتخابات فقط. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يتعلم الطفل أن له صوتًا، وأن صوت غيره مهم أيضًا. تبدأ عندما يتعلم أن الحوار أفضل من العنف، وأن الاختلاف لا يعني العداء، وأن احترام القانون لا يعني الخضوع الأعمى، بل المشاركة في بناء قواعد عادلة للجميع.
لذلك، فإن تعليم الديمقراطية في المدارس السورية يجب ألا يكون مادة نظرية معزولة، بل ممارسة يومية داخل الصف والمدرسة. يمكن أن يتعلم الطالب الديمقراطية عندما يشارك في وضع قواعد الصف، وعندما يناقش قضية عامة باحترام، وعندما يعمل مع زملائه في مشروع جماعي، وعندما يتعلم حل الخلاف بالحوار، وعندما يرى أن المعلم لا يخاف من السؤال ولا يعاقب التفكير المختلف.
إن بناء طفل حر وواعٍ ومسؤول هو الأساس لبناء مجتمع ديمقراطي في المستقبل. فالطفل الذي يتعلم أن يسأل، ويناقش، ويشارك، ويحترم الآخر، سيكبر وهو أكثر قدرة على قبول التعدد، وتحمل المسؤولية، والمشاركة في الحياة العامة. أما الطفل الذي يتربى على الخوف والطاعة العمياء واحتقار المختلف، فسيحمل هذه القيم معه إلى المجتمع والسياسة والعائلة والعمل.
ولهذا فإن إصلاح التعليم في سوريا يجب أن يكون في قلب أي مشروع وطني للمستقبل، لا ملفًا مؤجلًا إلى ما بعد السياسة. لأن السياسة نفسها ستبقى هشة إذا لم يحملها مواطنون أحرار وواعون. والمؤسسات الديمقراطية لا تعيش فقط بالقوانين، بل بثقافة اجتماعية تؤمن بالمشاركة والمساءلة والكرامة والمساواة.
نحتاج في سوريا إلى مناهج جديدة، نعم، لكننا نحتاج أيضًا إلى طريقة تعليم جديدة. نحتاج إلى معلم يرى في الطالب إنسانًا لا وعاءً للحفظ. نحتاج إلى مدرسة تسمح بالسؤال، وتشجع التفكير، وتحترم التنوع السوري بكل مكوناته. نحتاج إلى تعليم لا يصنع أتباعًا، بل مواطنين.
في المرحلة الانتقالية، يصبح التعليم أحد أهم شروط المواطنة والديمقراطية. فهو المكان الذي يمكن أن نتعلم فيه كيف نعيش معًا بعد سنوات من الانقسام. وهو المساحة التي يمكن أن تنشأ فيها أجيال لا ترى في الآخر تهديدًا، بل شريكًا في الوطن والمستقبل.
إن سوريا التي نريدها حرة وديمقراطية لا يمكن أن تُبنى بتعليم قائم على الخوف والتلقين. إنها تحتاج إلى مدرسة تربي على الحرية، والوعي، والمسؤولية، والمشاركة. مدرسة تبني طفلًا قادرًا على التفكير، لا مجرد الحفظ؛ على الحوار، لا الكراهية؛ على المبادرة، لا الانتظار؛ وعلى احترام الآخر، لا إلغائه.
التربية هي الفعل السياسي الأول، لأنها تصنع الإنسان الذي سيصنع السياسة لاحقًا. لذلك، فإن معركة التعليم في سوريا ليست معركة مدرسية فقط، بل معركة من أجل مستقبل المجتمع كله. فإما أن يكون التعليم طريقًا نحو الحرية والديمقراطية، أو يبقى
أداة لإعادة إنتاج الطاعة والخوف. وسوريا الجديدة لا يمكن أن تولد إلا من مدرسة جديدة.
هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولاتعبر عن رأي وحدة تمكين المجتمع المدني